أبو علي سينا
42
القانون في الطب ( طبع بيروت )
مستعرضة تغشى سطوح أجسام أخر وتحتوي عليها لمنافع منها لتحفظ جملتها على شكلها وهيئتها ، ومنها لتعلقها من أعضاء أخر وتربطها بها بواسطة العصب والرَّباط التي تشظى إلى ليفها فانتسجت منه كالكلية من الصلب ، ومنها ليكون للأعضاء العديمة الحس في جوهرها سطح حساس بالذات لما يلاقيه وحساس لما يحدث فيه الجسم الملفوف فيه بالعرض وهذه الأعضاء مثل الرئة والكبد والطحال والكليتين فإنها لا تحسّ بجواهرها البتة ، لكن إنما تحس الأمور المصادمة لها بما عليها من الأغشية وإذا حدث فيها ريح أو ورم أحس . أما الريح فيحسه الغشاء بالعرض للتمدد الذي يحدث فيه ، وأما الورم فيحسّه مبدأ الغشاء ومتعلقه بالعرض لأرجحنان العضو لثقل الورم . ثم اللحم : وهو حشو خلل وضع هذه الأعضاء في البدن وقوتها التي تعدم به وكل عضو فله في نفسه قوة غريزية بها يتمّ له أمر التغذي ، وذلك هو جذب الغذاء وإمساكه وتشبيهه وإلصاقه ودفع الفضل ، ثم بعد ذلك تختلف الأعضاء فبعضها له إلى هذه القوة قوة تصير منه إلى غيره ، وبعضها ليس له ذلك . ومن وجه آخر فبعضها له إلى هذه القوة قوة تصير إليه من غيره ، وبعضها ليس له تلك فإذا تركبت حدث عضو قابل معطٍ ، وعضو معطٍ غير قابل ، وعضو قابل غير معط وعضو لا قابل ولا معطٍ ، أما العضو القابل المعطي فلم يشك أحد في وجوده ، فإن الدماغ والكبد أجمعوا أن كل واحد منهما يقبل قوة الحياة والحرارة الغريزية والروح من القلب . وكل واحد منهما أيضاً مبدأ قوة يعطيها غيره . أما الدماغ : فمبدأ الحس عند قوم مطلقاً وعند قوم لا مطلقاً . وأما الكبد : فمبدأ التغذية عند قوم مطلقاً وعند قوم لا مطلقاً . وأما العضو القابل الغير المعطي فالشك في وجوده أبعد مثل اللحم القابل قوة الحس والحياة ، وليس هو مبدأ لقوة يعطيها غيره بوجه . وأما القسمان الآخران فاختلف في أحدهما الأطباء مع الكثير من الحكماء فقال الكثير من القدماء : أن هذا العضو هو القلب وهو الأصل لكل قوة وهو يعطي سائر الأعضاء كلّها القوى التي تغذو والتي تدرك وتحرك . وأما الأطباء وقوم من أوائل الفلاسفة فقد فرقوا هذه القوى في الأعضاء ولم يقولوا بعضو معط غير قابل لقوة ، وقول الكثير عند التحقيق والتدقيق أصح ، وقول الأطباء في بادىء النظر أظهر . ثم اختلف في القسم الآخر الأطباء فيما بينهم ، والحكماء فيما بينهم ، فذهبت طائفة إلى أن العظام واللحم الغير الحساس وما أشبههما إنما يبقى بقوى فيها تخصها لم تأتها من مبادٍ أخر ، لكنها بتلك القوى إذا وصل إليها غذاؤها كفت أنفسها فلا هي تفيد شيئاً اخر قوة فيها ، ولا أيضاً يفيدها عضو قوة أخرى . وذهبت طائفة إلى أن تلك القوى ليس تخضها لكنها فائضة إليها من الكبد أو القلب في أول الكون ثم استقرت فيه والطبيب ليس عليه أن يتتبع المخرج إلى الحق